3. العربية
أحيانًا، عليك أن تتوقف لكي تمضي قدمًا
أحيانًا، تقضي وقتًا طويلًا وأنت عالق في المشكلة نفسها.
تجرّب الحل نفسه مرارًا، وتفكّر في طرق مختلفة، لكنك تجد نفسك تعود إلى نقطة البداية. ومهما حاولت، لا تتمكن من العثور على الخطوة التالية.
ثم تقرر أن تفعل شيئًا آخر. تُغلق كتابك، أو تنهض عن مكتبك، أو توجّه انتباهك إلى مهمة أخرى.
وعندما تعود بعد فترة، قد تلاحظ تفصيلًا لم تنتبه إليه من قبل.
لكن هل يساعدك هذا الابتعاد فعلًا؟
أم أنك ابتعدت عن المشكلة فحسب؟
الدوران في المكان نفسه
عندما نعمل على حل مشكلة، فإن بذل المزيد من الجهد لا يعني بالضرورة إحراز تقدم أسرع.
أحيانًا، نكرر طريقة التفكير نفسها ونعود إلى حلول سبق أن جرّبناها. ورغم استمرار تركيزنا على المشكلة، لا نتمكن من رؤية خيار جديد.
في مثل هذه اللحظات، لا يعني أخذ استراحة التخلي عمّا نعمل عليه، بل يعني الابتعاد عنه لبعض الوقت فحسب.
في علم النفس، يُعرف هذا المفهوم باسم «أثر الحضانة» (Incubation Effect)، ويشير إلى التغيّر الذي قد يطرأ على قدرتنا على حل مشكلة بعد التوقف عن العمل عليها لفترة ثم العودة إليها لاحقًا.
تشير الأبحاث إلى أن هذا الأثر قد يظهر في بعض المهام. لكن لا يمكن القول إن أخذ استراحة يحل كل مشكلة أو يؤدي دائمًا إلى أفكار أفضل.
عندما يأخذ العقل استراحة
في عام 2009، جمع الباحثان Ut Na Sio وThomas C. Ormerod نتائج دراسات تناولت أثر الحضانة في تحليل تلوي.
وأظهرت النتائج أن أثر الاستراحة في حل المشكلات يختلف باختلاف نوع المهمة. وكان هذا الأثر أكثر وضوحًا في مهام التفكير الإبداعي التي تتطلب توليد أفكار متعددة ومتنوعة.
وأشار الباحثان أيضًا إلى أن طبيعة النشاط الذي نقوم به أثناء الاستراحة قد تكون مهمة. فقد يقلّل النشاط الذي يتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا من أثر الحضانة، في حين ارتبطت الأنشطة الأقل تطلبًا من الناحية الذهنية بنتائج أفضل في بعض المهام.
تُظهر هذه النتائج أن أخذ استراحة وحده لا يكفي. فما يهم هو نوع المشكلة التي نعمل عليها والظروف التي نأخذ فيها الاستراحة.
أحيانًا، تتطلب المشكلة أن نواصل التركيز عليها لفترة أطول. وفي أحيان أخرى، قد نحتاج إلى الابتعاد عنها قليلًا حتى نتمكن من النظر إليها من جديد، بدلًا من الاستمرار في النهج نفسه.
ليست كل استراحة متشابهة
لا تقتصر الأبحاث التي تدرس أثر الاستراحة على فوائد الراحة وحدها.
في عام 2012، درس Benjamin Baird وزملاؤه، من خلال تجربة علمية، العلاقة بين حل المشكلات الإبداعي وشرود الذهن.
في الدراسة، طُلب من المشاركين ابتكار استخدامات غير مألوفة لأشياء يومية. وبعد المرحلة الأولى، وُزّع المشاركون على مجموعات خضعت لظروف مختلفة. في إحدى المجموعات، أدّى المشاركون مهمة بسيطة لا تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا وتتيح لأذهانهم الانتقال بين الأفكار. أما المجموعات الأخرى، فقورنت فيها نتائج أداء مهمة تتطلب تركيزًا أكبر، والراحة، ومواصلة العمل من دون استراحة.
بعد أداء المهمة البسيطة، حقق المشاركون أداءً أفضل في المهمة الإبداعية التي سبق أن عملوا عليها.
هذه نتيجة جديرة بالاهتمام. لكن الدراسة لا تثبت أن كل أنواع الاستراحة، أو نشاطًا محددًا مثل المشي، يزيدان الإبداع. وينبغي فهم النتائج ضمن حدود المهمة والظروف التجريبية التي دُرست.
ويمكن استخلاص نتيجة حذرة من ذلك: عندما نبتعد عن مشكلة لبعض الوقت، فقد لا تكون المدة التي تمر وحدها هي المهمة، بل قد يكون لما نفعله خلال تلك الفترة دور أيضًا.
عندما تعود، قد ترى شيئًا مختلفًا
تخيّل أنك تقرأ الفقرة نفسها في كتاب مرارًا وتكرارًا.
ترى الكلمات، لكنك لا تستطيع فهم الجملة مهما حاولت. فتترك الكتاب لبعض الوقت وتنشغل بشيء آخر، ثم تعود إليه.
هذه المرة، تبدو الجملة أسهل فهمًا.
لا يمكننا القول إن هذا سيحدث دائمًا. أحيانًا، نعود لنجد أنفسنا عند النقطة نفسها. وفي أحيان أخرى، نحتاج إلى مزيد من المعلومات، أو إلى طريقة مختلفة، أو إلى مزيد من العمل لحل المشكلة.
ومع ذلك، قد تمنحنا الاستراحة فرصة للنظر في احتمال آخر: بدلًا من الاستمرار في التعامل مع السؤال نفسه بالطريقة نفسها، يمكننا إعادة التفكير فيما قد نكون قد أغفلناه.
لا يعني التقدم دائمًا أن نفعل المزيد. فأحيانًا، نحتاج أيضًا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نمضي بها قدمًا.
الحركة لا تعني دائمًا زيادة السرعة
غالبًا ما نربط الحركة بزيادة السرعة، وقطع المسافات، والانتقال المستمر إلى الخطوة التالية.
لكن تغيير الطريقة، أو تجربة مسار مختلف، أو التوقف عند الحاجة، يمكن أن يكون جزءًا من عملية التقدم أيضًا.
هذا لا يعني أن الجهد غير مهم. فبعض المشكلات تتطلب الصبر والتكرار والتركيز المستمر. أما في حالات أخرى، فقد يكون تغيير نهجنا أكثر جدوى من الاستمرار في استخدام الطريقة نفسها.
المهم ليس أن نتوقف دائمًا أو أن نواصل دائمًا، بل أن ندرك ما نحتاج إليه في كل موقف.
تحرّك إلى الأمام
بالنسبة إلى MOTION، لا تعني الحركة مجرد التقدم بسرعة أكبر.
أحيانًا، تعني أن نبدأ. وأحيانًا، أن نجرّب. وأحيانًا أخرى، أن نتوقف لنفكر من جديد.
ليست كل استراحة مصدرًا لفكرة جديدة، ولا تؤدي كل فترة توقف إلى حل. لكن في بعض الحالات، قد يساعدك منح نفسك بعض الوقت قبل المحاولة مجددًا على رؤية الخطوة التالية.
لأن المضي قدمًا لا يعني دائمًا بذل مزيد من الجهد في الاتجاه نفسه.
أحيانًا، عليك أن تتوقف لكي تمضي قدمًا.
أكثر من مجرد طاقة
تحرّك إلى الأمام
المصادر
Sio, U. N. & Ormerod, T. C. (2009).
Does Incubation Enhance Problem Solving? A Meta-Analytic Review.
Psychological Bulletin, 135(1), 94–120.
DOI: 10.1037/a0014212
Baird, B., Smallwood, J., Mrazek, M. D., Kam, J. W. Y., Franklin, M. S. & Schooler, J. W. (2012).
Inspired by Distraction: Mind Wandering Facilitates Creative Incubation.
Psychological Science, 23(10), 1117–1122.
DOI: 10.1177/0956797612446024
Gilhooly, K. J. (2016).
Incubation and Intuition in Creative Problem Solving.
Frontiers in Psychology, 7, 1076.
DOI: 10.3389/fpsyg.2016.01076

